إلى متي يسيطر الفكر الأسطوري على عالمنا العربي؟

-

إن ظاهرة اللجوء إلى ما يُسمّى بالعلاجات الشعبية أو التراكمية، مثل التداوي بالأعشاب أو الممارسات ذات الطابع الغيبي، تطرح سؤالًا جوهريًا حول علاقة المجتمع بالمعرفة العلمية. فبينما حقق الطب الحديث—القائم على التجربة والبرهان—إنجازات هائلة خلال العقود الماضية، ما زالت قطاعات من المجتمع تنصرف عنه إلى بدائل تفتقر في كثير من الأحيان إلى الأساس العلمي.

 

هذه المفارقة لا يمكن فهمها إلا في إطار أوسع يرتبط ببنية التفكير السائدة. إذ يبدو أن انتشار الأمية الفكرية، وليس فقط الأبجدية، قد أضعف من مكانة المنهج العلمي، حتى في بعض الأوساط المتعلمة. ولم يعد التفكير النقدي، القائم على الشك المنهجي والتحقق، قيمة مركزية كما ينبغي، بل حلّت محله أحيانًا نزعات يقينية أو تفسيرات غيبية للعالم.

 

وما يزيد الأمر تعقيدًا أن هذا التراجع لا يقتصر على العامة، بل يمتد أحيانًا إلى بعض المتخصصين في العلوم الطبيعية، حيث يُلاحظ رفض أو تشكيك في نظريات علمية راسخة مثل نظرية التطور، رغم ما تستند إليه من أدلة تجريبية متراكمة. وهذا يعكس خللًا في فهم طبيعة العلم ذاته، بوصفه عملية مفتوحة وقابلة للمراجعة، لا منظومة عقائدية مغلقة.

 

يمكن القول إن جزءًا من الأزمة يعود إلى استمرار أنماط تفكير تنتمي إلى عصور سابقة، حيث تسود التفسيرات الأسطورية وقوى ما وراء الطبيعة في تفسير الظواهر. وهنا يبرز غياب التعليم الفلسفي بوصفه عاملًا حاسمًا؛ فالفلسفة لا تُدرّس فقط كنصوص، بل كأداة لتنمية العقل النقدي والقدرة على التساؤل والتحليل.

 

لقد لعبت الفلسفة دورًا محوريًا في تطور المجتمعات التي سبقت علميًا، إذ ساهمت في ترسيخ قيم الشك المنهجي والاستقلال الفكري. وفي المقابل، ما زالت بعض التيارات الفكرية في عالمنا العربي تتأثر بإرث نقدي قديم، مثل أفكار أبو حامد الغزالي في نقد الفلسفة، والتي—رغم أهميتها التاريخية—لا ينبغي أن تُفهم خارج سياقها الزمني.

 

وفي الوقت ذاته، لم يُنصف تراث ابن رشد الذي دافع عن العقل وضرورة التوفيق بين الحكمة والشريعة، بل إن بعض المواقف الثقافية لا تزال تنظر بعين الريبة إلى الفكر النقدي والإبداع الأدبي، كما حدث مع نجيب محفوظوغيره.

 

إن أزمة التفكير لا تنفصل عن قضايا اجتماعية أوسع، من بينها وضع المرأة، حيث لا تزال بعض التصورات التقليدية تحصرها في أدوار ضيقة، وتنكر عليها حقها في التفكير والمشاركة الكاملة في الحياة العامة. وهذا بدوره يعكس خللًا في منظومة القيم التي ينبغي أن تقوم على الحرية والعقلانية والمساواة.

 

في المحصلة، لا يمكن تحقيق نهضة علمية حقيقية دون إعادة الاعتبار للفكر النقدي، وتعزيز التعليم الفلسفي، وترسيخ فهم صحيح لطبيعة العلم. فالمعركة ليست بين الطب الحديث والعلاج الشعبي فحسب، بل هي في جوهرها معركة بين نمطين من التفكير: أحدهما يستند إلى الدليل والتجربة، والآخر إلى التسليم والتقليد وكذلك النقل 

الدكتور حسن عثمان دهب 

جامعة كوبنهاجن 

عمل في عدة جامعات عربية في ليبيا واليمن وكذلك في الاتحاد الأوربي في مجال اعاده تأهيل العاطلين من المؤهلات العليا من اجل التلاءم مع ظروف العمل المعاصر.

المصدر: الدكتور حسن عثمان دهب - جامعة كوبنهاجن
edu

المعلم المصري

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 19 مشاهدة
نشرت فى 4 مايو 2026 بواسطة edu

ساحة النقاش

المعلم المصري

edu
بوابة تهتم بالارتقاء بالتعليم في مصر،وتنمية مهارات المعلم، وتوفير مواد تعليمية للطلاب؛ فالتعليم هو أساس نهضة الأمم، ومقياس حضارتها. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

5,689,308