السؤال الذي لا نسأله كثيرًا

لماذا ندرس؟ .. قد يبدو السؤال بسيطًا، لكن الإجابة عنه تكشف كثيرًا من طريقة تفكيرنا، فإذا طرحت هذا السؤال على مجموعة من الطلاب، فستسمع إجابات متشابهة: للحصول على درجات جيدة، أو للنجاح، أو لدخول كلية معينة، أو للحصول على وظيفة في المستقبل.

وكل هذه أهداف مهمة ومشروعة؛ لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هي الهدف الوحيد. فعندها يتحول العلم إلى مجرد وسيلة لعبور الامتحان، وتصبح قيمة المعرفة مرتبطة فقط بما يمكن أن تمنحه من درجات، لا بما تضيفه إلى العقل والشخصية والحياة.

ماذا يحدث بعد الامتحان؟

فكر في عدد الدروس التي درستها خلال سنواتك الدراسية؛ كم منها ما زلت تتذكره اليوم؟ وكم منها اختفى من ذاكرتك بعد أيام أو أسابيع قليلة من الامتحان؟

يحدث هذا لأن كثيرًا من الطلاب يتعاملون مع المعرفة باعتبارها ضيفًا مؤقتًا؛ يستقبلونها قبل الاختبار، ثم يغادرونها بعده مباشرة. فالهدف لم يكن الفهم العميق أو الاستفادة الحقيقية، وإنما الحصول على النتيجة المطلوبة فقط. ولهذا تصبح الدراسة عبئًا ثقيلًا بدل أن تكون رحلة ممتعة للاكتشاف والنمو.

الفرق بين نوعين من الطلاب

هناك طالب يسأل دائمًا: "هل هذا الجزء سيدخل الامتحان؟"، وهناك طالب آخر يسأل: "كيف تعمل هذه الفكرة؟"

السؤال الأول طبيعي ومفهوم، لكنه إذا أصبح السؤال الوحيد فإنه يحصر التعلم في حدود ورقة الاختبار. أما السؤال الثاني، فيفتح باب الفضول والفهم والاستكشاف؛ ولذلك نجد أن الطلاب الذين يهتمون بالفهم الحقيقي غالبًا ما يحققون نتائج أفضل أيضًا، لأنهم لا يحفظون المعلومات فقط، بل يبنون علاقة أعمق معها.

عندما يصبح الفضول أقوى من الخوف

في المراحل الدراسية المختلفة يعيش كثير من الطلاب تحت ضغط الدرجات؛ الخوف من الرسوب، أو من التراجع، أو من عدم تحقيق التوقعات. ومع الوقت يصبح الخوف هو المحرك الأساسي للدراسة.

لكن هذا النوع من الدافعية مرهق ومحدود الأثر؛ أما الطالب الذي يتعلم بدافع الفضول والرغبة في المعرفة، فإنه يمتلك مصدرًا مختلفًا للطاقة. فهو لا يقرأ لأنه مضطر فقط، بل لأنه يريد أن يفهم؛ ولا يبحث عن الإجابة وحدها، بل يبحث أيضًا عن الأسئلة التي تقوده إلى معرفة جديدة.

الجامعة والحياة تعلمان هذا الدرس

في المدرسة قد يكون النجاح مرتبطًا غالبًا باستيعاب المنهج وحفظ المعلومات؛ لكن كلما تقدم الإنسان في مراحل التعليم والحياة، ظهر عامل أكثر أهمية من الحفظ، وهو القدرة على التعلم المستمر.

فالعالم يتغير بسرعة، والمهن تتطور، والمعارف تتجدد باستمرار. ولهذا فإن أكثر الناس نجاحًا ليسوا الذين يعرفون كل شيء، بل الذين يعرفون كيف يتعلمون أشياء جديدة كلما احتاجوا إليها. ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من عقلية "الامتحان" إلى عقلية "التعلم".

كيف تبدأ بحب التعلم؟

ليس المطلوب أن تقع في حب كل مادة تدرسها، فهذا أمر غير واقعي. لكن يمكنك أن تبدأ بخطوات بسيطة؛ حاول أن تبحث عن الجانب المثير في كل موضوع، وأن تطرح الأسئلة أكثر مما تكتفي بحفظ الإجابات، وأن تقرأ أحيانًا خارج حدود المنهج.

حاول كذلك أن تربط ما تتعلمه بالحياة الواقعية، وأن تبحث عن الفهم قبل الحفظ. ومع الوقت ستجد أن الدراسة لم تعد مجرد واجب ثقيل، بل أصبحت أكثر معنى وقيمة.

لا تجعل الدرجة هي كل شيء

لا شك أن الدرجات مهمة، ولا أحد ينكر دورها في رسم بعض ملامح المستقبل الدراسي والمهني. لكن الخطأ أن تصبح هي المقياس الوحيد للنجاح.

فقد يحصل طالب على درجة مرتفعة ثم ينسى معظم ما درسه بعد فترة قصيرة، بينما يخرج طالب آخر بدرجة أقل قليلًا لكنه يمتلك فهمًا أعمق ومهارات أكثر رسوخًا. والأفضل بالطبع أن تجمع بين الأمرين؛ أن تحقق نتائج جيدة، وأن تبني معرفة حقيقية في الوقت نفسه.

فالنجاح الدراسي لا يقاس فقط بما تكتبه في ورقة الإجابة، بل أيضًا بما يبقى معك بعد انتهاء الامتحان.

متعة لا يعرفها الجميع

هناك لحظة جميلة يعيشها كل متعلم حقيقي؛ لحظة يفهم فيها فكرة كانت تبدو معقدة، أو يربط بين معلومتين لم يكن يتوقع ارتباطهما، أو يكتشف شيئًا جديدًا للمرة الأولى.

هذه المتعة تختلف عن متعة الحصول على درجة مرتفعة؛ لأنها متعة نابعة من النمو ذاته، ومن الشعور بأن عقلك أصبح أوسع قليلًا مما كان عليه بالأمس. ومن يختبر هذا الشعور مرة، يدرك أن التعلم ليس مجرد وسيلة للنجاح، بل قيمة تستحق أن تُطلب لذاتها.

بعد عشر سنوات من الآن

تخيل نفسك بعد عشر سنوات؛ كم امتحانًا ستتذكر من الامتحانات التي تخوضها اليوم؟ ربما عددًا قليلًا جدًا.

لكن ما سيبقى معك فعلًا هو ما تعلمته، والمهارات التي اكتسبتها، وطريقة التفكير التي بنيتها، والقدرة على التعلم التي صاحبتك إلى الحياة العملية. فالامتحانات محطات مؤقتة، أما التعلم فهو رفيق العمر كله.

الخاتمة

إذا أردت أن تجعل هذا العام مختلفًا حقًا، فلا تسأل فقط: "كم درجة سأحصل عليها؟"، بل اسأل أيضًا: ما الإنسان الذي أريد أن أصبحه مع نهاية هذا العام؟

فقد تبدأ الطريق وأنت تبحث عن النجاح في الامتحانات، لكن أجمل ما يمكن أن يحدث لك هو أن تنتهي الرحلة وأنت تكتشف متعة التعلم نفسه. وعندها لن يصبح التفوق الدراسي هدفًا بعيدًا تطارده؛ بل نتيجة طبيعية لشخص تعلّم كيف ينمو ويتطور كل يوم.

edu

المعلم المصري

ساحة النقاش

المعلم المصري

edu
بوابة تهتم بالارتقاء بالتعليم في مصر،وتنمية مهارات المعلم، وتوفير مواد تعليمية للطلاب؛ فالتعليم هو أساس نهضة الأمم، ومقياس حضارتها. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

5,994,612