
تأثير أكثر مما تتخيل
اسأل نفسك سؤالًا بسيطًا: من هم الأشخاص الذين تتحدث معهم أكثر من غيرهم كل أسبوع؟
غالبًا سيكونون أصدقاءك وزملاءك؛ أولئك الذين تجلس معهم في المدرسة أو الجامعة، وتتبادل معهم الرسائل والأحاديث اليومية، وتشاركهم اهتماماتك وأوقات فراغك. وقد تظن أن تأثير هؤلاء يقتصر على التسلية أو الصحبة، لكنه في الواقع أعمق بكثير مما يبدو؛ فنحن نتأثر بمن حولنا بصورة أكبر مما ندرك، ونتأثر بطريقة تفكيرهم، ونظرتهم للحياة، وعاداتهم اليومية، بل وحتى بمستوى طموحهم.
العدوى التي لا نراها
عندما نسمع كلمة "عدوى" نفكر عادة في الأمراض؛ لكن هناك أنواعًا أخرى من العدوى لا تقل تأثيرًا. فالحماس معدٍ، والكسل معدٍ، والتفاؤل معدٍ، واليأس أيضًا معدٍ.
إذا كنت تجلس باستمرار مع أشخاص يشكون من الدراسة، ويستهزئون بالاجتهاد، ويبحثون دائمًا عن أسهل الطرق، فستجد نفسك مع الوقت تتبنى بعض هذه الأفكار دون أن تشعر. وفي المقابل، إذا أحطت نفسك بأشخاص يتحدثون عن أهدافهم وخططهم وطموحاتهم، فستجد أن مستوى توقعاتك من نفسك بدأ يرتفع تلقائيًا.
ليس لأنهم سيئون
من المهم أن نفهم نقطة أساسية هنا؛ فليس كل صديق يقصر في دراسته شخصًا سيئًا، وليس كل طالب متفوق إنسانًا مثاليًا. القضية ليست في إصدار الأحكام على الناس، بل في فهم أثر البيئة المحيطة علينا.
قد يكون لديك صديق طيب ومحترم وخلوق، لكنه لا يهتم بالدراسة أو تطوير نفسه؛ وإذا أصبح هذا النمط هو الأكثر حضورًا في حياتك، فقد يؤثر ذلك في مستوى طموحك دون أن تشعر. فالأمر لا يتعلق بالنيات بقدر ما يتعلق بالتأثير.
ماذا يتحدث أصدقاؤك عنه؟
هناك سؤال بسيط يكشف الكثير: عندما تجتمع مع أصدقائك، ما الموضوعات التي تدور حولها الأحاديث؟
هل تتحدثون عن الأحلام والأهداف؟ هل تتبادلون الخبرات والأفكار المفيدة؟ هل يشجع بعضكم بعضًا على الإنجاز؟ أم أن الوقت يضيع كله في الشكوى، والسخرية، والأحاديث التي لا تضيف شيئًا إلى حياتكم؟
لا أحد يطالب بأن تتحول جلسات الأصدقاء إلى قاعات محاضرات؛ لكن نوعية الأحاديث تكشف كثيرًا من اتجاه المجموعة، وتوضح الأثر الذي تتركه في أعضائها.
الصديق الحقيقي لا يعطلك
بعض الطلاب يخلطون بين الصداقة الحقيقية والمجاملة؛ فيظنون أن الصديق الجيد هو الذي يوافقهم دائمًا، ويتقبل كل تقصير دون أن ينصح أو يصحح.
لكن الصديق الحقيقي أحيانًا يفعل العكس؛ فهو ينبهك عندما تخطئ، ويشجعك عندما تضعف، ويذكرك بهدفك عندما تنشغل عنه، ويفرح بنجاحك بدل أن يغار منه. وهذا النوع من الأصدقاء نعمة حقيقية في رحلة النجاح.
احذر من الاستهزاء بالطموح
من العلامات الخطيرة في بعض البيئات الدراسية أن يصبح الاجتهاد مادة للسخرية؛ فيُنظر إلى الطالب المجتهد باعتباره مختلفًا أو مبالغًا في طموحه، بينما يُعامل التهاون وكأنه أمر طبيعي يستحق التشجيع.
إذا وجدت نفسك في مثل هذه البيئة، فتذكر حقيقة مهمة: الناس يسخرون أحيانًا مما لا يملكون الشجاعة الكافية لمحاولته؛ لذلك لا تجعل خوف الآخرين من النجاح يحدد سقف أحلامك أنت.
لا تحتاج إلى عدد كبير من الأصدقاء
يظن بعض الطلاب أن عليهم تغيير دائرة معارفهم بالكامل حتى ينجحوا؛ لكن الواقع أبسط من ذلك. فأنت لا تحتاج إلى عشرات الأصدقاء المؤثرين، وأحيانًا يكفي صديق واحد إيجابي، يشجعك على الإنجاز، ويشاركك أهدافك، ويذكرك بما تستطيع تحقيقه.
فالنوعية أهم بكثير من العدد، والتأثير الحقيقي لا يقاس بكثرة العلاقات، بل بقيمتها.
كن أنت أيضًا صديق نجاح
عندما نتحدث عن تأثير الآخرين علينا، ننسى أحيانًا السؤال الأهم: وأنت، أي نوع من الأصدقاء أنت؟
هل تشجع من حولك؟ هل تفرح لنجاحهم؟ هل تدفعهم إلى التحسن؟ هل تنشر الأمل أم الإحباط؟
فكما تتأثر بالناس، فإنك تؤثر فيهم أيضًا. وربما تكون أنت الشخص الذي يمنح أحد أصدقائه دفعة إيجابية تغير حياته كلها.
تخيل طالبين
الأول يقضي معظم وقته مع مجموعة تبرر الكسل وتقلل من قيمة الإنجاز؛ فكلما تحدث عن هدفه سخروا منه، وكلما حاول الاجتهاد دعوه إلى التأجيل.
أما الثاني فيحيط نفسه بأشخاص يحترمون العلم والطموح والعمل الجاد؛ يشجع بعضهم بعضًا على التقدم، ويتبادلون النصائح والخبرات، ويتعاملون مع النجاح باعتباره شيئًا يستحق السعي إليه.
بعد عام كامل، أي الطالبين سيكون أقرب إلى تحقيق أهدافه؟ الإجابة لا تحتاج إلى تفكير طويل؛ لأن البيئة لا تصنع كل شيء، لكنها تؤثر في كل شيء تقريبًا.
الخاتمة
في رحلتك الدراسية ستختار موادك الدراسية، وطريقة مذاكرتك، والأهداف التي تسعى إليها؛ لكن هناك اختيارًا آخر لا يقل أهمية عن كل ما سبق: اختيار من تسير معهم في الطريق.
ابحث عن الأشخاص الذين يجعلونك أفضل، ويرفعون سقف طموحك، ويشجعونك عندما تتعب، ويرون في نجاحك سببًا للفرح لا سببًا للغيرة. وتذكر دائمًا أن الإنسان قد يغير حياته بعادة جديدة، لكنه أحيانًا يغيرها أيضًا بصديق واحد جيد.



ساحة النقاش